فصل: قال القرطبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ}
في سبب نزولها ستة أقوال:
أحدها: أن جَدَّ بنَ قيس، ووديعة بن خذام، والجُهَير بن خُمَير، كانوا يسيرون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك، فجعل رجلان منهم يستهزآن برسول الله صلى الله عليه وسلم والثالث يضحك مما يقولان ولا يتكلم بشيء، فنزل جبريل فأخبره بما يستهزؤون به ويضحكون؛ فقال لعمار بن ياسر: «اذهب فسلهم عما كانوا يضحكون منه، وقل لهم: أحرقكم الله» فلما سألهم، وقال: أحرقكم الله؛ علموا أنه قد نزل فيهم قرآن، فأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الجُهَير: والله ما تكلَّمت بشيء، وإنما ضحكت تعجبًا من قولهم، فنزل قوله: {لا تعتذروا} يعني جَدَّ بن قيس، ووديعة. اهـ.

.قال القرطبي:

{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)}
فيه ثلاث مسائل:
الأُولى هذه الآية نزلت في غَزوة تَبُوك.
قال الطبريّ وغيره عن قتادة: بينا النبيّ صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وَرَكْبٌ من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا، هذا يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر فأطلعه الله سبحانه على ما في قلوبهم وما يتحدّثون به، فقال: «احبسوا عليّ الركب ثم أتاهم فقال قلتم كذا وكذا» فحلفوا: ما كنا إلاَّ نخوض ونلعب؛ يريدون كنا غير مجدِّين وذكر الطبري عن عبد الله بن عمر قال: رأيت قائل هذه المقالة وديعةَ بن ثابت متعلقًا بحَقَب ناقِة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب.
والنبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: {أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ}.
وذكر النقاش أن هذا المتعلِّق كان عبد الله بن أبَيّ بن سَلُول.
وكذا ذكر القُشيرِي عن ابن عمر.
قال ابن عطية: وذلك خطأ؛ لأنه لم يشهد تَبُوك.
قال القشيري: وقيل إنما قال عليه السَّلام هذا لوديعة بن ثابت وكان من المنافقين وكان في غزوة تبوك.
والخوض: الدخول في الماء، ثم استعمل في كل دخول فيه تلويث وأذًى.
الثانية قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدًّا أو هزلًا، وهو كيفما كان كفر؛ فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأُمة.
فإن التحقيق أخو العلم والحق، والهزل أخو الباطل والجهل.
قال علماؤنا: انظر إلى قوله: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين} [البقرة: 67].
الثالثة واختلف العلماء في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق على ثلاثة أقوال: لا يلزم مطلقًا.
يلزم مطلقًا.
التفرقة بين البيع وغيره.
فيلزم في النكاح والطلاق؛ وهو قول الشافعيّ في الطلاق قولًا واحدًا.
ولا يلزم في البيع.
قل مالك في كتاب محمد: يلزم نكاح الهازل.
وقال أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية: لا يلزم.
وقال عليّ بن زياد: يُفسخ قبلُ وبعدُ.
وللشافعيّ في بيع الهازل قولان.
وكذلك يخرّج من قول علمائنا القولان.
وحكى ابن المنذر الإجماع في أن جِدّ الطلاق وهزلَه سواء.
وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: إن اتفقا على الهزل في النكاح والبيع لم يلزم، وإن اختلفا غلب الجدّ الهزل.
وروى أبو داود والترمذيّ والدَّارَقُطْنِيّ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث جِدهنّ جِدّ وهَزْلهنّ جدّ النكاحُ والطلاق والرجعة» قال الترمذيّ: حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم.
قلت: كذا في الحديث: «والرَّجعة».
وفي موطأ مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيِّب قال: ثلاث ليس فيهن لَعِب النكاح والطلاق والعتق.
وكذا رُوي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي الدَّرداء، كلهم قال: ثلاث لا لِعب فيهن ولا رجوع فيهن واللاعب فيهن جادٌّ النكاح والطلاق والعتق.
وعن سعيد بن المسيّب عن عمر قال: أربع جائزات على كل أحد العتق والطلاق والنكاح والنذور.
وعن الضحاك قال: ثلاث لا لعب فيهن النكاح والطلاق والنذور. اهـ.

.قال الخازن:

قوله سبحانه وتعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} الآية.
وسبب نزولها على ما قال زيد بن أسلم أن رجلًا من المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك: ما لقرائنا أرغبنا بطونًا وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء؟ فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق ولأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره فوجد القرآن قد سبقه.
قال زيد: قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه، يعني إلى المنافق، متعلقة بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة يقول إنما كنا نخوص ونلعب فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» ما يزيده قال محمد بن إسحاق الذي قال هذه المقالة فيما بلغني هو وديعة بن ثابت أخو أمية بن زيد بن عمرو بن عوف.
وقال قتادة: بينا رسول الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وبين يديه ناس من المنافقين فقالوا يرجوا هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات فأطلع الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال نبي صلى الله عليه وسلم احبسوا على الركب فأتاهم فقال قلتم كذا وكذا فقالوا يا نبي الله كنا نخوض ونلعب فأنزل الله فيهم ما تسمعون وقال الكلبي ومقاتل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين اثنان منهم يستهزئان بالقرآن والرسول والثالث يضحك قيل كانوا يقولون إن محمدًا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم ما أبعده من ذلك.
وقيل: كانوا يقولون إن محمدًا يزعم أنه أنزل في أصحابنا قرآن إنما هو قوله وكلامه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك.
فقال: احبسوا على الركب فدعاهم.
وقال لهم: «قلتم كذا وكذا» فقالوا إنما كنا نخوض ونلعب، ومعنى الآية: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عما كانوا يقولون فيما بينهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب يعني كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعله الركب يقطعون الطريق باللعب والحديث، وأصل الخوض: الدخول في مائع كالماء مع الطين كثر استعماله حتى صار يستعمل في كل دخول مع تلويث وأذى {قل} أي قل يا محمد لهؤلاء المنافقين {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} فيه توبيخ وتقريع للمنافقين وإنكار عليهم والمعنى كيف تقدمون على إيقاع الاستهزاء بالله يعني بفرائض الله وحدوده وأحكامه والمراد بآياته كتابه وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم فيحتمل أن المنافقين لما قالوا كيف يقدر محمد على أخذ حصون الشام.
قال بعض المسلمين: الله يعينه على ذلك فذكر بعض المنافقين كلامًا يشعر بالقدح في قدرة الله وإنما ذكروا ذلك على طريق الاستهزاء. اهـ.

.قال أبو حيان:

{ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} أي: ولئن سألتهم عما قالوا من القبيح في حقك وحق أصحابك من قول بعضهم: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح قصور الشام، وقول بعضهم: كأنكم غدًا في الجبال أسرى لبني الأصفر، وقول بعضهم: ما رأيت كهؤلاء لا أرغب بطونًا ولا أكثر كذبًا ولا أجبن عند اللقاء، فأطلع الله نبيه على ذلك فعنفهم، فقالوا: يا نبي الله ما كنا في شيء من أمرك ولا أمر أصحابك، إنما كنا في شيء مما يخوض فيه الركب، كنا في غير جدّ.
قل: أبالله تقرير على استهزائهم، وضمنه الوعيد، ولم يعبأ باعتذارهم لأنهم كانوا كاذبين فيه، فجعلوا كأنهم معترفون باستهزائهم وبأنه موجود منهم، حتى وبخوا بأخطائهم موضع الاستهزاء، حيث جعل المستهزأ به على حرف التقرير.
وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء وثبوته قاله: الزمخشري، وهو حسن.
وتقديم بالله وهو معمول خبر كان عليها، يدل على جواز تقديمه عليها.
وعن ابن عمر: رأيت قائل هذه المقالة يعني: إنما كنا نخوض ونلعب وديعة بن ثابت متعلقًا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكته وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي يقول: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن؟» وذكر أنّ هذا المتعلق عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك خطأ لأنه لم يشهد تبوك. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ}
عما قالوا {لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} رُوي أنه عليه الصلاة والسلام كان يسير في غزوة تبوكَ وبين يديه ركبٌ من المنافقين يستهزئون بالقرآن وبالرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون: انظُروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتحَ حُصون الشامِ وقصورَها هيهاتَ هيهات. فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك فقال: «احبِسوا على الركب» فأتاهم فقال: «قلتم كذا، وكذا؟» فقالوا: يا نبيَّ الله لا والله ما كنا في شيء من أمرك ولا من أمر أصحابِك ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركبُ ليقصُرَ بعضنا على بعض السفر {قُلْ} غيرَ ملتفتٍ إلى اعتذارهم ناعيًا عليهم جناياتِهم منزِّلًا لهم منزلةَ المعترفِ بوقوع الاستهزاء موبخًا لهم على أخطائهم موقعَ الاستهزاء {أَبِاللهِ وَرَسُولِهِ كُنتُم تَسْتَهْزِئُون} حيث عقب حرف التقرير بالمستهزأ به ولا يستقيم ذلك إلا بعد تحققِ الاستهزاءِ وثبوتِه. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَلَئنْ سَأَلْتَهُمْ} عما قالوه {لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إلى تبوك إذ نظر إلى أناس بين يديه من المنافقين يقولون: أيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه عليه الصلاة والسلام على ذلك فقال: احبسوا على هؤلاء الركب فأتاهم فقال صلى الله عليه وسلم قلتم: كذا وكذا قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب فنزلت.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رجل في غزوة تبوك ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء لا أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل: كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن، قال عبد الله: فأنا رأيت الرجل متعلقًا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكيه وهو يقول: يا رسول الله إنا كنا نخوض ونلعب ورسول الله عليه الصلاة والسلام يقول ما أمره الله تعالى به في قوله سبحانه: {قُلْ أبالله وءاياته وَرَسُولِهِ كُنتُمْ} وجاء في بعض الروايات أن هذا المتعلق عبد الله بن أبي رأس المنافقين وهل أنكروا ما قالوه واعتذروا بهذا العذر الباطل أو لم ينكروه وقالوا ما قالوا فيه خلاف والإمام على الثاني وهو أوفق بظاهر النظم الجليل.
وأصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين ثم كثر حتى صار اسمًا لكل دخول فيه تلويث وإذاء وأرادوا إنما نلعب ونتلهى لتقصر مسافة السفر بالحديث والمداعبة كما يفعل الركب ذلك لقطع الطريق ولم يكن ذلك منا على طريق الجد، والاستفهام للتوبيخ، وأولى المتعلق إيذانًا بأن الاستهزاء واقع لا محالة لكن الخطاب في المستهزأ به، أي قل لهم غير ملتفت إلى اعتذارهم ناعيًا عليهم جناياتهم قد استهزأتم بمن لا يصح الاستهزاء به وأخطأتم مواقع فعلكم الشنيع الذي طالما ارتكبتموه، ومن تأمل علم أن قولهم السابق في سبب النزول متضمن للاستهزاء المذكور. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)}
الظاهر أنّها معطوفة على جملة: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم} [التوبة: 62] أو على جملة {ومنهم الذين يؤذون النبي} [التوبة: 61]، فيكون المراد بجملة: {يحلفون بالله لكم} [التوبة: 62] أنّهم يحلفون إن لم تسألهم.